(ونطق الصمت) – الحلقة الخامسة


في صالة الانتظار، لدى عيادة الدكتور حمد، حرصت على الحضور مبكرًا، وفي زاوية غير بعيدة جلست أنتظر، كنت أريد أن أجلس في ركن قصي من الصالة، لكني خشيت أن ينادى على أسمي، ولا أستطيع أن أتكلم فيظنوا بأني غير موجود، ورغبة مني في عدم الخوض في أحاديث جانبية فتحت كتابًا كان معي، ولففت شماغي على الجزء السفلي من وجهي.

صالات الانتظار في كل مكان، تجمع الناس لمدة محدودة، يلتقون فيها لأغراض متباينة، وبعدها يفترقون، وفي هذه الأماكن أحرص على تذكير نفسي بأني قد أكون أهون الموجودين مصيبةً، فبالرغم من سوء حالتي الصحية إلا أني أشعر بأني أفضل حالاً من هذا الطفل الذي جاء مع والده، ويضع سماعة على أذنه ليتمكن من السماع جيدًا، وليست حالتي تقارن بذاك الرجل الذي تسمع غرغرة شديدة مع كل شهيق وزفير، كنت جالس أمارس هوايتي الجديدة، التأمل، وتهوين الأمر على نفسي، حتى جاءني صوت الممرضة ينادي باسمي، أصدرت نحنة تعلن عن وجودي، ونهضت من مقعدي متجهًا نحوها، وأنا أشير إليها بيدي، فسألتني” أأنت محمد؟”، هززت رأسي بأن “نعم”، فقالت: ” اتبعني من فضلك؟”. قادتني الممرضة بين الممرات، ندخل بابًا، ونخرج مع آخر، إلى أن توقفت أمام باب آخر، وطرقت عليه عدة مرات، وفتح الباب ممرض فسلمته ملفي الطبي، ثم أشارت إلي أن أدخل، وانصرفت.

في الداخل، كان هناك طبيب شاب يشرح بحماسة إلى مجموعة من الطلاب، وأحد كبار السن يجلس أمامهم على كرسي الفحص، قادني الممرض إلى غرفة جانبية، وسلم ملفي إلى ممرضة هندية، التي طلبت مني الجلوس على كرسي الفحص، وسرعان ما بدأت في مزاولة مهامها، وإعداد الأدوات، جلست أنتظر لفترة، عندما دخل علي الطبيب الشاب، والتقط ملفي من على الطاولة، وبدأ يقرأ فيه، ثم التفت نحوي وقال وهو يزيل قناعه القطني: ” كيف حالك يا محمد .. ؟ معذرة على تأخري، كان هناك مجموعة طلاب كنّا نريهم إحدى الحالات النادرة”. ثم توقف هنيهة وقال: “أنا طبيب في مرحلة الامتياز، اسمي هشام، سأكشف عليك مبدئيًا قبل أن نأخذ رأي الدكتور حمد في حالتك، إن كانت تستدعي ذلك”، هززت رأسي موافقًا، وبدأت أحاول أن أشرح له حالتي، ولكنه عندما سمع صوتي، طلب مني التوقف قائلاً: ” لا ترهق نفسك .. دعني أتولى عملية الكشف”.

التفت على الممرضة والتقط منها مادة لزجة، وأخرج من جانب الكرسي جهازًا ينتهي بسلك مرن أسود اللون، يقارب طوله نصف متر، وقطره لا يتجاوز خمسة مليمتر، وضعه على عينيه، وبدأ يمسح بالمادة على السلك، ثم التفت نحوي وقال: ” رجاء افتح فمك ” .

أحسست بمعدتي تنقبض، وبعضلات فمي ترفض الاستجابة لأوامري، فلاحظ الطبيب هشام ترددي، فقال لي مبتسمًا: “لا تخش شيئًا، فالمسألة سهلة جدًا، لدرجة أنك لن تحس بأي شيء”، سلمت أمري لله، ثم لهذا الطبيب الشاب، واستطعت أن افتح فمي، ومد يده وبدأ هذا الشيء الأسود المدهون بتلك المادة للزجة ينزلق في جوفي، إلى أن أحسست به يدخل حلقي، ويواصل الغوص. توقف الطبيب، وهو يطلب مني أن أتنفس بعمق من فمي، لأسيطر على تهيج معدتي، التي أبت تقبل هذا الدخيل، وطلب مني أيضًا أن أبدا في إصدار بعض الأصوات الحلقية، كنت أغمض عيني لحظتها، وعندما فتحتها لأنظر إليه لأعرف مدى ما يعرفه عن حالتي، اصطدمت عيناي بعينيه الحائرتين اللتين رفعهما عن الجهاز، واتجه بهما ناحية الممرضة وطلب منها مناداة الدكتور حمد.

بعد أن أخرج الجهاز من حلقي، طلب مني الانتظار على الكرسي إلى أن يأتي الدكتور حمد، وبدأ يتحدث عن حالتي، وأنها لا تستدعي القلق، وأن استدعاء الدكتور هو أمر احترازي فقط لا غير، وبعد مدة دخل الدكتور حمد، وبعد تبادل التحايا، قطب حاجبيه الكثيفين عندما سمع صوتي، والتفت نحو الطبيب هشام الذي بدأ في إعادة المنظار مرة أخرى إلى جوفي، ولكن عن طريق الأنف هذه المرة !!

وبعد أن استقر المنظار في مكانه، بدأ الدكتور حمد في ممارسة مهامه، وهو يعيد تكرار طلبات هشام السابقة في إصدار بعض الأصوات، ثم أحسست به يمرر المنظار في كل أنحاء حلقي وهو يرفعه، إلى أن أخرجه، وبعد أن تبادل كلمات سريعة مع الطبيب هشام، التفت نحوي وقال: “محمد .. علاجك ليس لدينا، فحنجرتك سليمة، ومشكلتك في حبالك الصوتية، وهذا من تخصص أناس آخرين، نسميهم في مدرسة الطب بأمراض التخاطب”، والتقط ورقة وقلمًا، وأكمل حديثه وهو يكتب على الأوراق أمامه:” سأحيلك إلى هذه العيادة، فلديهم عدة أطباء أكفاء ، متخصصين في هذه الحالات عندنا، أمنياتي لك بالشفاء العاجل، أنصحك حاليًا بالتخفيف من الكلام” .

التقطت الورقة التي خطها لي، وخرجت إلى قسم المواعيد، الذي كان يكتظ من كثرة المراجعين، وبعد طول انتظار وصلت إلى الموظف المتذمر من كل شيء، نظر إلى الورقة التي أحملها، ورفع رأسه وقال: ” هذه ليست لدينا، اذهب إلى عيادة التخاطب ليعطوك الموعد.”، حاولت عبثًا أن أستفسر منه عن مكان هذه العيادة، غير أنه لم يستطع أن يفهمني، لشدة الزحام والضجيج من حولنا، وبعد عدة محاولات استطاع أن يفهم ما أريد، فوصف لي مكانهم، حيث كانت هذه العيادة تقبع في مبنى آخر، خرجت من المبنى متوجهًا نحو المكان المنشود، كان المبنى الآخر يقع في ثلاثة طوابق، أحسست بقشعريرة تعتريني لما دخلته، كان الهدوء يلف المكان، بخلاف المبنى السابق، توجهت نحو نافذة صغيرة خط فوقها بكلمة “المواعيد”، تنحنحت على استحياء، ونظرت إلى الموظف معتذرًا لانتهاكي حرمة الهدوء الجميل، وناولته الورقة، نظر نحوي وهو يلتقطها، ثم نظر إلى الورقة أمامه، وبدأ يداعب أزرار لوحة المفاتيح العتيقة الموضوعة أمامه، حاولت أن أوضح حالتي له، وأخبره بأني أريد موعدًا عاجلاً، لأتمكن من معرفة ما بي على الأقل، هز رأسه متفهمًا، وضغط على زر الإدخال!

استيقظت الطابعة من سباتها، وبدأت تتحرك بكسل، وهي تنفث حبرها الأسود على الورقة البيضاء، وعلى مهل بدأت الورقة تخرج من جوفها، إلى أن توقفت عن العمل، فمد الموظف يده واقتطعها، وألقى بنظرة سريعة على ما فيها، ثم مدها إلي وهو يقول:”هذا أقرب موعد استطعت أن أحجزه لك”، التقطت الورقة مؤملاً، غير أن ناظري اصطدما بالتاريخ! كان الموعد بعد ستة أشهر!

.
.
.
… للمعاناة بقية!

الوسوم: ,

13 تعليق لـ “(ونطق الصمت) – الحلقة الخامسة”