(ونطق الصمت) – الحلقة السادسة


نظرت إليه مستنكرًا، غير أنه هز رأسه ويديه، ويقول: “معذرة .. هذا هو الكومبيوتر، وهذه هي مواعيده، اذهب إلى العيادة واشرح للدكتور حالتك، ربما قد يساعدك”، وأشار بيده إلى الدرج، حيث تقع العيادة في الطابق الثاني، كدت أن القي بالورقة في الأرض احتجاجًا على هذا الموعد البعيد، غير أني (كبرت عقلي) فليس لي خيار آخر غير هذا في الوقت الراهن، وبعناية طويتها ووضعتها في جيبي، واتجهت نحو العيادة.

توقفت لبرهة أمام باب العيادة المفتوح على مصراعيه، التقط أنفاسي بعد أن صعدت الدرج متفاديًا المصاعد، التي لم أكن أعرف مكانها في ذلك الحين، وبعد تردد دخلت واتجهت نحو الممرضة الآسيوية، التي كانت تقف خلف كاونتر الاستقبال، وتنظر إليَّ متسائلة إن كان لدي موعد مع أي من الأطباء ،فأخرجت الورقة وقلت لها :”لدي موعد بعد ستة أشهر، أريد أن أقابل الطبيب بشأن هذا” ، هزت رأسها متفهمة خاصةً بعد أن سمعت صوتي، وأشارت بطرفها إلى طبيب يلبس الزي السعودي مقبل ناحيتنا وهي تقول بصوت منخفض ، اسأل الدكتور خالد، توقف الدكتور أمام الكاونتر وطلب منها ملف أحد المرضى، وانتهزت فرصة انتظاره، وسلمت عليه، وأخرجت له الورقة وحاولت أن أشرح له أن حالتي لا تتحمل مثل هذا الموعد المتأخر، ابتسم متفهمًا عندما سمع صوتي، وطلب من الممرضة دفتر المواعيد، وبعد أن التقطه، قال لي:”لدي مؤتمر يا محمد في القاهرة بعد أسبوعين، ولا أستطيع أن اكشف عليك إلا بعد أن أعود من هناك، ونظرًا لتقديمي للعديد من المواعيد، فهل يناسبك بعد أربعة أسابيع؟”.

أربعة أسابيع! بالكاد استطعت أن أتحمل أسبوعًا واحدًا، فكيف لي بأربعة أخرى إضافية، حاولت أن أغتصب ابتسامة على شفتيّ، لكنهما أبتا أن تتجاوبا معي، فقلت له:” وهل هناك حل آخر ..؟ “، ابتسم مشفقًا وقال:” عذرًا يا محمد، لا أعرف أحدًا يملك الأجهزة والأدوات .. وفوق ذلك المعرفة إلا المستشفيات الحكومية، وطبيب في مستشفى المغربي وهو حسب ما أعرف في إجازة، ولكن لا يمنع هذا أن تبحث في المستشفيات الكبيرة، أو تنتظر .. وصدقني حالتك ليست بالسوء الذي تعتقد .. تحتاج فقط إلى صبر ووقت، وإلى تخفيف للكلام!”

صبر … ووقت .. وقلة كلام ، هذه حقًا هي المعادلة الصعبة، وليست ليوم أو يومين … بل لأربعة أسابيع كاملة، لا لكي تشفى، بل لكي تعرف ما بك! فمازلت لا أدري ما يعتريني، ولا ما هي أسباب اختفاء صوتي، فهل ما بي مرض حميد أم غير ذلك، وهل سأمضي بقية حياتي على هذا المنوال، يظن كل من يلقاني للمرة الأولى بأني مصاب بنزلة برد، وهل سأتمكن من الكلام مرة أخرى، كانت الأسئلة تفور بداخلي، وأنا أغادر عيادة التخاطب، وللمرة الألف ينتهي بي المطاف في سيارتي، الألم النفسي يعصف بي، والقلق من المجهول يستبد بداخلي، وفوق ذلك كله أخرج صفر اليدين من عند أفضل الأطباء، وكلٌ منهم يخلي مسؤوليته، وينصح بالصمت المطبق، وكأنما الكلام بضاعة محرمة لابد أن تتجنبها لنعم بلذة الشفاء!

في الطريق كرهت الصمت وكل ما يمت له بصلة، أخرجت شريطًا من درج السيارة، لم أنظر إلى عنوانه، أردت فقط أن أكسر حاجز الصمت بأي شيء، عندما وضعته في المسجل، انساب صوتي عبر مكبرات السيارة مدويًا فيها، فلقد اخترت الشريط الخطأ، فلقد كان شريط (رغم الأسى) الذي شاركت في تقديمه، عندما كان لصوتي صدى، ويخطب وده العديد من المؤسسات الإعلامية، وبكل ما بداخلي من يأس أخذت أعيد المقاطع التي أتحدث فيها، وأستمع إلى كيفية نطقي للحروف، وأتأمل كيف تغير حالي الآن، وكيف أضحى الصوت الجهوري بحوحًا، والفصاحة أصبحت أثرًا بعد عين، فلم يعد هناك صوت يسمع، ولا مقال يفهم، وكل مقومات صوتي اختفت فيما يبدو إلى أجل غير مسمى!

لم أطق صبرًا وبدأت أجري اتصالاتي على كل المستشفيات، وبصوتي المتعثر، كنت اسأل عن عيادات التخاطب، إلى أن وجدتها في أحد المركز الطبية الأهلية، وبسهولة وجدت حجزًا بعد عصر ذلك اليوم لدى استشاري سعودي! عندما سألت الموظفة عن اسم الطبيب، قالت لي “موعدك مع الدكتور خالد”، بكل براءة سألتها : ” خالد من؟” ، وتفاجأت بأن لم يكن سوى الدكتور خالد الذي للتو غادرت عيادته على أمل موعد (بالواسطة) بعد أربعة أسابيع، أكدت الموعد معها، وأنا أتألم من الحالة التي وصلت عليها مستشفياتنا الحكومية، فبدل أن أنتظر موعدي الرسمي بعد ستة أشهر، أو الموعد الآخر بعد أربعة أسابيع، بإمكاني أن أصل إلى الطبيب نفسه، في نفس اليوم أو أي يوم أريد … ولكن بمبلغ معلوم!

قبل موعدي في المستشفى الأهلي، اتصلت على المستشفى وطلبت أن أتحدث مع الدكتور خالد، وبعد لحظات كنت معه على الهاتف، وبعد أن عرفته بنفسي، وتذكرني قلت له :”هل في حضوري إلى المركز مفيد لي، خصوصًا أنك قلت لي أني أحتاج إلى فحص بجهاز معين، فل تنصحني بالمجيء؟”، كان الدكتور متفهمًا، وواسع المعرفة، وبصوته الهادئ اخبرني بأنه المستشفى الأهلي لا يملك الجهاز، وأن مجيئي إليه لن يمكننا من إجراء الفحوصات اللازمة.، لعدم وجود الأدوات المناسبة لحالتي، واعتذر عن عدم قدرته على عمل أي شيء لي.

.
.
وللحديث بقية ..

——
الحلقات السابقة (12345 )

الوسوم: ,

7 تعليقات لـ “(ونطق الصمت) – الحلقة السادسة”