(ونطق الصمت) – الحلقة السابعة


الأيام تمضي ببطء عندما نريد منها أن تعجل في المسير، والأوقات الحزينة تأخذ حقها الكامل من الدقائق والثواني، وكأنما تريدك أن تتذوق كل لحظة وكل ثانية، فلم يمض علي سوى ثلاثة أيام، شعرت بأنها ثلاثة أسابيع من طولها، أغلقت هاتفي خلالها، وعملي أصبحت مقصرًا فيه، رغم تعاون الجميع هناك إلا أني شعرت بأني عالة عليهم، مجرد شخص صامت يأتي صباحًا، وبعد أن يمضي عدة ساعات يخرج دون أن يؤدي أي عمل حقيقي، كانت دورة الإعداد لامتحان (التوفل) في أيامها الأخيرة، وقد انقطعت عنها، واقترب موعد امتحاني، الذي لا يقبل التأجيل، فلقد سجلت فيه قبل أن يفقد صوتي صوته، كانت فرصة أن أخرج من محيطي الذي أعيشه، لاسيما أن مقر انعقاده في مدينة (الدمام)، كان موعده في يوم الأربعاء، فلقد كانت لدي الفرصة أن أمضي عدة أيام وحيدًا، في مدينة لا أنتظر أن يعرفني فيها أحدًا، في يوم الثلاثاء اخترت أن أطير إليها بدل أن أقود سيارتي، كنت أحاول في المطار وفي الطائرة أن اقلل احتكاكي بالناس، وأن ادفن رأسي بين دفتي الكتاب الذي أحمله معي، تفاديًا للعيون التي تبحث عن رفيق في الرحلة، وعندما استقر بي المطاف في الفندق في مدينة الخبر، انهمكت في مراجعة بعض النقاط التي تساعدني في امتحاني غدًا، وبعد ذلك نمت إلى الفجر، وبعد أن أشرقت الشمس، توجهت إلى مكان انعقاد الامتحان.

في الغرفة التجارية بالدمام، جلست أمام جهاز صامت مثلي، يعرض علي الأسئلة كما يعرض علي الإجابات، أحببت فيه صمته، وأعجبت بالهدوء الذي يلف القاعة الكبيرة، لم يكن هناك صوت إلا هدير آلات التبريد، وصوت نقرات الفأرات، وضغطات لوحات المفاتيح، إلى أن انتهيت، وعندما خرجت من القاعة كانت الساعة تقترب من الثانية عشر ظهرًا، والضجيج يعم أرجاء الشارع الذي أوقفت فيه السيارة التي استأجرتها من المطار، وزحمة الناس المراجعين وسياراتهم والفوضى التي يحدثونها تعم المكان، أردت أن أقفل راجعًا إلى القاعة حيث الهدوء الذي أصبح جزءًا مني، ولكني تحملت ما يجري حولي وأسرعت أحث الخطى إلى سيارتي، وعندما بلغتها ركبت فيها وأسرعت أشق ركام الناس بصعوبة، وأنفاسي تتلاحق، فقط أريد ان اخرج إلى مكان أكثر هدوءًا وصمتًا … مكان يشبهني أنا !

في الطريق نحو الفندق، لم أكن أدر ما سأفعله في الأيام القادمة، فكرت في أن أكون رومانسيًا لدرجة أن أمضي وقتي أمام البحر أتأمله، وأعترف أمامه، وأبث همومي له، غير أني لم أجد نفسي هناك، فهذه في نظري تحدث في الروايات الرخيصة والأفلام العاطفية فقط! لذا أمضيت بقية نهاري في الغرفة، وبعد غروب الشمس، خرجت إلى شارع الكورنيش أمشي فيه وحيدًا صامتًا، في أذني وضعت سماعات جهاز الأيبود، أستمع لملفات صوتية وضعتها فيه منذ مدة، ولم أحد وقتًا لسماعها من قبل، وأنا أدخل المحال المتفرقة، أتأمل المعروضات، أوزع الابتسامات البريئة على البائعين، إلى أن وصلت إلى مقهى ستاربكس، فدخلته وطلبت بالإشارة مشروب (الماكياتو) وجلست في ركن قصي داخل المقهى المزدحم نسبيًا، يعزلني صوت (دايل كارنيجي) عن من حولي، ويفسح لي المجال لأستمتع بالكتاب الذي احمله، إلى أن استبد بي الملل وقفلت عائدًا إلى غرفتي، خلال تلك الفترة التي أمضيها في الدمام، لم أتلق إلا صديقين هما (وليد وحسين) لفترة لا تتجاوز الساعتين، حرصا على إيصالي إلى المطار بعدها، لأعود إلى الرياض مرة أخرى، بصوت شبه مفقود، وقلب جريح.
.
.
.
وللحديث بقية 🙂

الحلقات السابقة (123456 )

الوسوم: ,

1٬579 تعليق لـ “(ونطق الصمت) – الحلقة السابعة”