ممكلة البنغال – قراءة نقدية


ممكلة البنغال
فرح سكرية – جريدة الجريدة

«مملكة البنغال» رواية اجتماعية تتناول ظاهرة الإرهاب ـ إذا صح التعبير ـ التي انتشرت في الآونة الأخيرة في السعودية. تتميز بكونها رواية متماسكة العناصر غنية بالصور واللوحات الأدبية التي جعلتها سهلة الفهم وليِّنة القراءة، قريبة من الواقع المعاش.

خيال
إن كانت هذه الرواية من نسج خيال الروائي محمد الداود إلا أن شخصياتها ليست مستحيلة الوجود بل أجزم أنها موجودة، ولا ريب في أنها تنتشر كالجراد، تلتهم كل بلد تتطأه وكل مجتمع وتحوِّله الى فاسد ومدمر.

من يطالعها يجدها خطوة جديدة غير مألوفة من قبل في المجتمع السعودي. في مملكة الكاتب نجد تمرداً على الواقع وهروباً من المألوف، إذ نلحظ أن الشخصيات وجدت في الغرباء، وتحديداً البنغال منهم، ملجأ من الكبت الذي فُرض عليهم قسراً. ولما كان كل ممنوع مرغوباً، فلا ريب اذاً أن تشكل جرائم السرقة، القتل، التزوير، تجارة الممنوعات وتعاطيها مصدر إغراء للسعودي كي يكسر حاجز المحرم والممنوع لديه، فكانت مملكة البنغال التي تعتمد كأساس لها «تجنيد» الشباب في صفوفها وتعويدهم على الجرائم التي يمنعها القانون ويحرمها الدين والشرع على حد سواء في أي مجتمع كان وتحت أي عقيدة كانت.

اتسمت الرواية بأسلوب جديد ظهر أخيراً في الأدب الروائي. اعتمد الكاتب طريقة التقسيم الى مقاطع يبدأها بمشهد معين. ففي المقطع الأول نرى أنه صبَّ جلَّ جهده على إثارة الفضول والتشويق بالحادثة التي تعرض لها البطل، لينتقل الى القسم الثاني تاركاً الأول مجهول المعالم، إذ يخبرنا عن الرجل الذي لقي مصيره إثر عملية قتل غير محددة، لنكتشف في الختام أنه تعرض لصدمة حادة على رأسه. وهكذا نجد تداخلاً بين المشاهد والشخصيات جعل من المستحيل أن يتوقف القارئ عن التهام الكلمات، فضولاً منه لمعرفة مصير الشخصيات وكيف سيتمكن البطل من القبض على العصابة وانتشال جذورها من السعودية.

أما بالنسبة إلى القارئ الذي اعتبر هذه الرواية مضيعة للوقت، أي أنه طالعها وقلب صفحاتها فحسب، لن يستطيع أن يميز بين الشخصيات الرئيسة وبين الأخرى التي وضعت لإضافة عنصر التشويق وتفادياً لإقتصار القصة على أشخاص معينين، كذلك لن يستطيع أن يقيّم الرواية ولن تكون الأحداث بالنسبة إليه سوى عبارة عن مشاهد متداخلة مع بعضها ومشتتةً لأفكاره.

اعتمد الكاتب أسلوباً سهلاً ورقيقاً جرَّد الرواية من كل تعقيد وأغنتها التشابيه والصور التعبيرية واللوحات التي قدم بها الداود مشاهدها. إذ وصف التفاصيل بشكل دقيق ورائع جاعلاً من الرواية مشهداً مشوقاً يتجسد أمام القارئ مباشرة فاتحاً الأفق واسعاً أمام خياله ليرسم المشهد كما يراه بنفسه. كذلك استعمل في بعض الأحيان الكلمات العامية من اللغة السعودية إنما بعبارات قليلة لا تقلل من القيمة الأدبية للرواية، بل تعطيها سمة جديدة تجعلها محببة لدى القارئ أكثر فأكثر.

من دون حشو
بالإضافة الى ذلك، يبدو واضحاً أن صفحات الرواية القليلة التي لم تتجاوز المائة كانت خالية من كل حشو واضافات وزخرفات لا قيمة لها. بمعنى آخر، اكتفى الداود بالمعاني التي تشتمل عليها الجملة الرئيسة مع وصفٍ بسيط للحالة التي تعيشها الشخصيات، ما أعطى الرواية رونقاً جميلاً وخلاباً. ولن ننسى أن الكاتب أتى على ذكر المناطق والشخصيات بأسمائها الواقعية فجعلنا نغوص عميقاً في خياله ونقترب من لمس الحقائق بواقعية ونشعر أننا نسير فعلاً في هذه الشوارع ونرى ما تفعله الشخصيات كي لا تأتي الرواية بعيدة عن القارئ وخالية من الواقعية والشفافية.

نخلص من قراءتنا لرواية «مملكة البنغال» أن الراوي يسعى جاهداً الى ابراز الحالة الاجتماعية المتفشية في السعودية في إطار يدفع القارئ الى تلمُّسها بوضوح ورؤيتها عن كثب، رغبة منه في تنبيه الناس من خطر يعيش بينهم وتنتشر ألسنته بسرعة. كذلك يحاول جاهداً أن يحثَّهم على القيام بما هو مناسب وأخذ الحيطة والحذر، مع أن هذا التنبيه أتى عبر رواية من نسج الخيال ولكن يمكن وقوع أحداثها بين لحظة وأخرى.

جذب الراوي انتباهنا بأسلوبه وطريقة عرض الأحداث بواقعية الى حد بعيد وبوصفه الدقيق اللاممل للمشاهد والشخصيات حتى في أدق التفاصيل والحركات التي قاموا بها. من منطلقٍ آخر، لا تحتاج قراءة هذه الرواية الى تمحيص وتدقيق لفهم المعاني التي تتضمنها الكلمات، فهذه الأخيرة تلج بسرعةٍ الى العقل لبساطتها وسهولتها.

الرابط: http://www.aljarida.com/AlJarida/Article.aspx?id=58500

---------------------------------------
  • Facebook
  • Twitter
  • Digg
  • Live
  • del.icio.us
  • Google Bookmarks
  • MySpace
  • Add to favorites
  • PDF
  • Print
  • email
  • RSS

الوسوم: , ,

3 من التعليقات لـ “ممكلة البنغال – قراءة نقدية”

  • السلام عليكَ أخي الكريم محمد الداود

    قرأتُ روايتك بأُعجبتُ بها، ليس فقط لأنها كشفت أمراً محظوراً لم أكن أعلمه من قبل، بل لأنها وضعت يداها على جرح غائر في نفسي بما تراه عيناي من مآسي وتجاوزات في بلادي الإمارات، فحصل تطابق بين مآلات النص، وإن اختلف مسرح الأحداث. فما يدور في الخفاء أعظم أخي الكريم.

    كتبتُ عن روايتك في مدونتي المتواضعة، وعسى ألا أكون قد أنقصتها حقها، وحقك.

    ستجد الرابط هنا: http://sultan.alzaabi.blogunited.org/?p=75

    بوركت وننتظر جديدك

    أخوك

    سلطان الزعابي / الإمارات

  • Banbo0osah =) قال:

    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته :
    أولا: أنا كثــــــــــــيــــر عجبني كتاب(أوراق طالب ……)
    وماشاء الله أكثر من رائع ….
    أخذت الكتاب معي للمدرسه ومن دون مبالغه كل البنات إلي عطيتهم الكتاب عشان يشوفونه صارو (يتضاربون عليه ).

    بس عندي سؤال
    أنا ودي أقراء كتاب مملكه البنقال/ أقدر أحصله على الموقع ولا لازم أشتريه ؟
    مشكور

  • مروان بن سالم قال:

    السلام عليكم ..

    أستاذي / محمد ..

    بصراحه تعجز الكلمات عن وصف إبداع قلمك الروائي ..

    أنا اشتريت ( أوراق طالب .. ) اللي قرأته في يوم واحد – بدون مبالغة – و ( مملكة البنغال )

    وأنا أترقب أي شئ يصدر من إبداعاتك .. لا تبخل علينا من جديدك ..

    في النهاية ..

    Remember my neam … Marwan